عبد الملك الخركوشي النيسابوري

86

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

سائل : بم أستعين على غضّ البصر ؟ قال : بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه . وقال : من راقب اللّه في الغيوب * أعانه اللّه في الكروب فنعم مولى ونعم ربّى * ونعم اللّه غافر الذنوب وقال ذو النون المصري : علامة المراقبة إيثار ما آثره اللّه عزّ وجلّ ، وتعظيم ما عظّمه اللّه تعالى ، وتصغير ما صغّره اللّه تعالى . وعن أبي سعد الخراز قال : كنت يوما أمشى في الصحراء ، فإذا قريب من عشرة كلاب من كلاب الرعاة قد شدت على ، فلما قربت منى جعلت أستعمل المراقبة ، فإذا بكلب أبيض قد خرج من بينها ، وحمل على الكلاب فطردها عنى ، ولم يفارقني حتى تباعدت عنى الكلاب ، فالتفت فلم أره . وعن سهل قال : المراقب لا يخاف فوت الدنيا ، إنما يحتاج أن يخاف فوت الآخرة . وقال الجنيد : إنما يتحقق بالمراقبة من يخاف على فوت حظه من ربه عزّ وجلّ . وعن مالك بن دينار قال : جنات عدن من جنات الفردوس ، وفيها جوار خلقن من ورد الجنة ، قيل له : ومن يسكنها ؟ قال : يقول اللّه عزّ وجلّ : إنما يسكن جنات عدن الذين إذا هموا بالمعاصي ذكروا عظمتي فراقبونى ، والذين انتثت أصلابهم من خشيتي ، وعزتي وجلالي ، إني لأهم بعذاب أهل الأرض ، فإذا نظرت إلى أهل الجوع والعطش من مخافتي صرفت عنهم العذاب . - وسئل الحارث عن المراقبة ، فقال : المراقبة علم القلب بقرب الربّ عزّ وجلّ . وقيل : المراقبة أن تراقب اللّه عز وجل عندما نهاك عنه . وقيل : المراقبة أن لا تحول الهمة من شئ إلى شئ ؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ قد أحاط بكلّ شئ علما . وقيل : المراقبة أن يراقب العبد ربّه في جميع أحواله ، حتى يقيّد عليه أنفاسه ، وذلك قوله عزّ وجلّ : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ « 1 » . وعن المرتعش قال : المراقبة مراعاة السر لملاحظة الغيب ، مع كل لحظة ولفظة .

--> ( 1 ) سورة الأعراف : 205 .